عبد الله بن أحمد النسفي
291
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 173 ] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهمّوا بالرجوع ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ، فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة فندب « 2 » أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان ، فخرج يوم الأحد من المدينة مع سبعين رجلا حتى بلغوا « حمراء الأسد » وهي من المدينة على ثمانية أميال ، وكان بأصحابه القرح ، فألقى اللّه الرعب في قلوب المشركين فذهبوا « 3 » ، فنزلت لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا من للتبيين ، مثلها في قوله : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً « 4 » لأنّ الذين استجابوا للّه والرسول قد أحسنوا كلّهم واتقوا لا بعضهم أَجْرٌ عَظِيمٌ في الآخرة . 173 - الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ بدل من الذين استجابوا إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ روي أنّ أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد يا محمد موعدنا موسم بدر القابل ، فقال عليه السّلام : ( إن شاء اللّه ) فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة ، فألقى اللّه الرعب في قلبه ، فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود « 5 » الأشجعي وقد قدم معتمرا ، فقال يا نعيم إني وأعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وقد بدا لي أن أرجع فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل ، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم أتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم فو اللّه لا يفلت منكم أحد فقال عليه السّلام : ( واللّه لأخرجنّ ولو لم يخرج معي أحد ) فخرج في سبعين راكبا وهم يقولون حسبنا اللّه ونعم الوكيل حتى وافوا بدرا وأقاموا بها ثماني ليال ، وكانت معهم تجارة فباعوها وأصابوا خيرا ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ، ولم يكن قتال ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمّى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا إنّما خرجتم لتأكلوا السويق « 6 » ، فالناس الأول نعيم وهو جمع أريد به الواحد ، أو كان له أتباع يثبطون مثل تثبيطه ، والثاني أبو سفيان وأصحابه فَاخْشَوْهُمْ فخافوهم فَزادَهُمْ أي المقول الذي هو إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، أو القول ، أو
--> ( 1 ) في ( أ ) عليه السلام . ( 2 ) زاد في ( ز ) النبي . ( 3 ) ابن إسحاق في المغازي عن شيوخه ، ومن طريق البيهقي في الدلائل مطولا . ( 4 ) الفتح ، 48 / 29 . ( 5 ) نعيم بن مسعود الأشجعي ، صحابي أسلم أيام الخندق وخذل بين الأحزاب حتى تفرقوا في كل جهة ( الأعلام 8 / 41 ) . ( 6 ) ذكره الثعلبي عن مجاهد وعكرمة ، وروى ابن سعد في الطبقات بعضه .